ابن قيم الجوزية

20

الروح

وقد ثبت في الصحيح أن الميت يستأنس بالمشيعين لجنازته بعد دفنه ( فروى ) مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت « 1 » ، فبكى طويلا ، وحوّل وجهه إلى الجدار ، فجعل ابنه يقول : ما يبكيك يا أبتاه ، أما بشرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بكذا ؟ فأقبل بوجهه فقال : إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وإني كنت على أطباق ثلاث « 2 » ، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مني ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته ، فلو متّ على تلك الحال لكنت من أهل النار ، فلما جعل اللّه الإسلام في قلبي لقيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقلت : أبسط يدك فلأبايعك ، فبسط يمينه قال : فقبضت يدي قال : فقال : « ما لك يا عمرو » ؟ قال قلت : أردت أن أشترط . قال : « تشترط ما ذا » ؟ قلت : أن يغفر لي قال : « أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله » ؟ وما كان أحد أحب إلي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت ، لأني لم أكن املأ عيني منه ، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها ، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار ، فإذا دفنتموني فسنوا عليّ التراب سنا « 3 » ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور « 4 » ، ويقسم لحمها حتى استأنس بكم وأنظر ما ذا أراجع به رسل ربي « 5 » . فدل على أن الميت يستأنس بالحاضرين عند قبره ويسر بهم . وقد ذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن ، قال عبد الحق : يروى أن عبد اللّه بن عمر أمر أن يقرأ عند قبره سورة

--> ( 1 ) وردت في مسلم : في سياقة الموت ، قال النووي : أي حال حضور الموت . ( 2 ) قال النووي : قوله على أطباق ثلاث أي على أحوال ، فلهذا أنت ثلاثا إرادة لمعنى أطباق . ( 3 ) وردت في مسلم : فشنوا على التراب شنا ، وضبط النص بالشين والسين ، ومعناه على الأول : فرقوا عليّ التراب ، ومعناه على الثاني : صبوا عليّ التراب ، والمراد به المنع من الترصيص على القبر بنحو طين وآجر . ( 4 ) قال في المصباح : الجزور هي الناقة التي تنحر . ( 5 ) انظر صحيح مسلم كتاب الإيمان باب كون الإسلام بهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج ( 1 / 78 ) .